بالفصحى

الجزء ١

الجزء ١

١١ دقيقة قراءة

~أيام من سجيل~
*بارت 1
في مدينة من المدن الجميلة من وطني الحبيب، مدينة يعجز الشاعر عن وصفها تحتضنها الأشجار وتتدلى الثمار على عتبات البيوت والأبواب فهي تقع بين المزارع والبساتين، كانت تلك المدينة أشبه بمنتجع سياحي لزواره... تُروى بها أجمل الحكايات. ربما لو همست لحجر كان على شاطئها عن تلك المدينة لأجابك برواية، حتى الشجر كُتب على أوراقه حكايات عاشقين.. فمنهم من عشق الحياة بجمالها ومنهم من عشق تلك المياه وما بداخلها! حتى الأسماك تروي حكايات لعشاق كانت تسمع نبضات قلوب عشاقها كل شيء يروي لنا أحداث تلك المدينة بمن فيها من شباب أو شيوخ ونساء أو حتى أطفال.... مدينة غطت الطيور سماءها لتعطي لحناً للحياة، فكانت زقزقة العصافير في كل صباح تقف على حواف النوافذ "لتعطي أملاً جديداً كل يوم، لتعطي زقزقة تلك العصافير أمل متجدد كل يوم ولحناً يزيد الروح اطمئناناً" فعلى ضفاف دجلة عاشت تلك الأسماك والطيور. "أهل تلك المدينة تغمر أيامهم المحبة والصدق والوفاء والصغير يحترم الكبير.... أما بناء البيوت فكان قريباً من بعضه البعض..... مدارسها جميلة فالبنات يدرسن بمدارسهن، أما الأولاد كذلك كان لديهم مدارس للأطفال وللكبار، وبين طيات كتبها كانت تحمل أجمل رواية لأشخاص درسوا فيها وعاشوا في تلك المدينة...

في (ثانوية العقلاء)للبنين كان يدرس آدم ومعه مجموعة كبيرة من الطلاب من أهل المدينة،آدم وعائلتة هم من سكان تلك المدينة وأيضاً التحق من القرى المجاورة العديد من الطلاب لأن المدينة كانت تحيط بالقرى، وخصوصاً كونها على ضفاف النهر. لذا جمعت الكثير من الطلبة، ومن بينهم طالب كان يدعى "تيم". كان تيم يسكن بالقرب من منزل آدم، وكانا يعرفان بعضهما ولكن لا توجد علاقة صداقة فيما بينهما .. إلا أن والدة تيم كانت تعرف والدة آدم، لانهما تعيشان في نفس الحي كلتا الاثنتين تعيشان نفس الفقد، كلتاهما فقدتا أزواجهم في حرب من الحروب."
التحق تيم بصف السادس مؤخراً لأن والدته (حنان) كانت في مراجعة طبية، كونها تعاني من عجز في القلب. حنان امرأة تحملت ثقل الحياة لتربي إبنها الوحيد." فعند زواجها من والد تيم لم تنجب لمدة عشر سنوات "حاولوا مراراً ولكن دون جدوى، وبعد سن متأخر وانتظار طال سنوات، شاءت إرادة الله أن تحمل بتيم... كانت فرحتها وفرحة والد تيم لا توصف، ربياه وكانا يريانه الجبر بعد كل ذلك العناء. كبر تيم، وعندما أكمل الثانية عشر من عمره توفي والده في الحرب. أكملت حنان مسيرتها في تربية ولدها تيم حتى أصبح شاباً. "ولكن منذ فترة قصيرة أحست بتعبٍ شديد وإرهاق ولم تعلم ما السبب، بدأت تراجع الأطباء وبعد معاينتها عرفوا أن لديها عجزاً في القلب، فبدأت رحلة العلاج بمرافقة ابنها الوحيد." "لذلك لم يلتحق تيم بالسنة الجديدة منذ البداية، فقد جاء متأخراً عن زملائه، لذلك احتاج آنذاك لمن يساعده على فهم ما فاته من المواد الدراسية.. ولكونه يعرف آدم آنذاك معرفة بسيطة وجيرانه، طلب منه مساعدته في مراجعة ما فاته من الدروس؛؛ رحب آدم بطلبه وقام بمساعدته وقال: لنقسم هذا الأسبوع على خمس دروس لمواد متفرقة، وهكذا نضع جدولاً لنكمل بقيتها. إبتسم تيم ورحب بفكرة آدم وبدئا الدراسة والمراجعة؛؛ مرت الأيام وبدئا كلاهما يتقربان من بعضهما أكثر ويثقان ببعضهما، إلى أن أصبحا صديقين لا يفارقهما إلا الموت. كانا يلتقيان ليس في المدرسة فحسب، بل في المسجد وفي الشارع وعلى ضفاف النهر، ويصيدان الأسماك معاً، ويلعبان كرة القدم، حتى طعامهما لا بد أن تصادف وجبة في اليوم يأكلانها سوياً؛ حتى أنهم في ذات مرة اصطادا سبع سمكات مرة واحدة، فقاما بشوائها ورتبا وجبة الغداء، وبعدها أحضرا حنان وزهرة الى الشاطىء لتأكلا معهما، وأيضا جاء آدم بإخوته سارة وسامان ، فزهرة كان لديها ولدان وابنة؛ سارة أصغر من آدم بسنة واحدة فقط، أما سامان فكان لا يزال في الصف الأول متوسط. تلك السمكات جمعت العائلتين بأجواء تملؤها المرح والسعادة، كغيمة عابرة أمطرت على أرض جعلتها خضراء ثم رحلت !! ومضت الأيام وتخرج تيم وآدم من تلك المرحلة مسرورين ينتظرون قبولاتهم في الكلية. كانا في كل شيء مجتمعين مع بعضهما، حتى معدلهما كان متشابهاً. قدما كلاهما على نفس الكلية، كلية الحقوق الجامعة المستنصرية، وقدما أيضاً على بعض الكليات، فكانا يملؤون استمارة التقديم كلاهما بنفس الحقول. كانا معاً في كل شيء، لكن السؤال: هل سيكملان طريقهما معاً؟!

وبعد فترة ظهر قبولهما، وقُبلا في نفس الكلية ونفس الجامعة تحقق أول حلم لهما .لكن تعب الامهات كان معادلاً لفرحتهم زهرة حالتها المادية والصحية أفضل من حنان، إلا أن حنان حاولت قدر المستطاع أن تدبر أمورها لدراسة ولدها دون تضجر، كانت مستعدة تعطيه كل ماتملك فقط ليعيش سعيداً، بل كانت كل حياتها؛؛ تيم؛ مرت أول سنة من الكلية، وأيضاً نجحا كلاهما وتأهلا للمرحلة الثانية. كانا يذهبان إلى العاصمة بغداد سوياً، ويسكنان في أقسام داخلية، حتى التعب كانا يتقاسماه معاً. ومرت المرحلة الثالثة، وما زالا متعاهدين بقلوب لم تعرف الغل على بعضهما وفي ليلة من ليالي الشتاء جلسا الاثنين معاً فسأل آدم تيم عن أبيه هل يشبهه وكم عاش معه فجلس الاثنان يتكلمون عن آبائهم حتى الساعه الثانية صباحا حتى ناموا . ولكن في المرحلة الرابعة صادف تيم فتاة كانت في نفس الجامعة، ولكنها تدرس في كلية الصيدلة. في يوم من الأيام احتاجت تلك الفتاة لمساعدة، ولم يكن موجود سوى تيم، خرجت تبحث عن محفظتها التي اضاعتها. وجدت تيم أمامها فسالته عنها أرأيت محفظة وذكرت وصفها له رد لا لم أجد، ربما وجدها أحدهم وسلمها لاستعلامات الجامعة. انتظري غداً نتأكد، مشى خطوات وعندما رأها واقفة سألها اتحتاجين مساعدة هيا لنذهب لاتبقي هنا وحدك كانت بالفعل تحتاج الى من يوصلها لانها فقدت المال مع المحفظة هزت رأسها بنعم وهي ترتدي نظاراتها التي مازادتها الا جمالاً وتألقاً. كانت فتاة جميلة ومؤدبة ولا تمتلك الجرأة، لذا كان واضحاً عليها الخوف والتردد. استأجر تيم سيارة وقال عندما ركبا: أين منزلك يا... سكت وقال: آه، صحيح، ما اسمك؟ ردت: أنا اسمي سارة. إبتسم تيم وقال: حسناً يا سارة، فأوصلها إلى منزل أهلها بعد أن أعطته عنوان منزلهم. وفي اليوم التالي شكرته، وبدأ يحدث بين الاثنين نوع من الملاطفة. واصبح ينتظر قدومها الى الجامعة كل يوم كان يعيش أجمل أيامه ودائما يتكلم عنها امام آدم وما يفكر فيه اتجاهها، فقد كان ينوي أن يتقدم لخطبتها بعد التخرج." وكان صديقة يشجعه دائما لأنه يعرف أن سارة فتاة تستحق الاحترام "وسارة أيضاً تبادله نفس الشعور ؛؛ لأن تيم شخصية جميلة وهادئة، ويمتلك قلباً صافياً ونقياً، وكان مظهره جميلاً جداً ووسيماً. مرت الأيام إلى أن حان وقت الامتحانات النهائية. جاءا الاثنان من مدينتهما محملين بالطعام والشراب والملابس، مستعدين لخوض الامتحانات النهائية يستعدان للتخرج. جاءا إلى القسم الطلابي وبدأا بالمراجعة ودراسة المواد، إلى أن أكملا آخر امتحان في الجامعة... في آخر يوم تواعد تيم مع سارة ليودعها ويخبرها بأنه على وعده لها، سيتقدم لخطبتها. التقيا، ولا يدري أن حبه لها سيدفن حياً.... بعد أن أكملا امتحاناتهما النهائية، وودع تيم سارة عادا كلاهما. وعند عودتهما فرحت أم تيم برجوع ولدها إلى أحضانها، وأن شعور الوحدة سيختفي من حياتها، فصحتها بدأت تسوء بشكل تدريجي دون أن تشعر. أما زهرة والدة آدم، فكانت قد عاشت السنوات الثلاث الأخيرة مع سامان، لأن سارة أيضاً قد أصبحت طالبة جامعية في كلية العلوم البايولوجي، وسامان ما زال طالباً في الثانوية. فرح آدم برجوعه، فقد كان ينوي أن يكمل دراسته بعد فترة من الزمن ليصبح قاضياً. مرت الأيام وظهرت نتائج المرحلة الرابعة. جاء تيم وهو ينتظر مع آدم النتيجة، وبعد لحظات سمعت زهرة أصوات كادت أن تسقطها أرضاً. جاءت خائفة: ماذا هناك يا آدم؟ رد آدم بحماس: نجحنا يا أم آدم، وأصبحتِ والدة المحامي آدم عبد العزيز. كان تيم يقف بجانبه، ومن شدة فرحة زهرة احتضنت ولدها، واحتضنت تيم أيضاً، وقالت: مبارك لكما النجاح يا أبطال. قام الاثنان ليخرجا، فقالت زهرة: إلى أين تذهبان؟ رد تيم: خالتي، سنذهب لنبشر أمي. وبعدها خرجا، وفي وسط الطريق وصلا، الى بائع حلوى يجر عربة ويبيع أنواعاً من الحلوى. أوقفه تيم وقال: أريد أن أشتري لأمي. اشترى لأمه وأيضاً أخذ لصاحبه حتى يعطيها للخالة زهرة. وبعدها دخلا منزل حنان. كانت تجلس في حديقة المنزل، ولديها حوض تضع فيه بطات يربيها تيم، وبعض الطيور، لأنه كان مولعاً بتلك الحيوانات الأليفة، وهي ترش الورد بالماء. جاءا وقالا: من ستعطيه البشارة أولاً؟ ردت حنان: لكم ما تريدون، بشروني، هل نجحتما أنجحت يا ولد؟ تكلم تيم. وهو يمسك بيدها ويلف بها ويحتضنها: نعم يا أمي، نعم تخرجت وأصبحت محامياً، كما كنتِ تريدين أنتِ وأبي رحمه الله. نزلت دموعها من الفرح وهي تقول: حمداً لله الذي جعلني أراك كما كنت أتمنى يا ولدي. ثم نظرت إلى آدم وقالت: مبارك لك يا ولدي. وبعدها قالت ساصنع طعاماً وأفرقه على الجيران احتفالاً بتخرجك ياحبيبي. قال آدم وهو ينظر إلى صديقه بفخر: لنذهب الليلة ونحتفل مع أصدقائنا، فهم أيضاً تخرجوا من جامعاتهم؛ ذهبا جميعاً مساءً إلى شاطئ النهر ليحتفلا، واحتفلا معهما جميع أصحابهما، وهم يجهزون الطعام والشواء وكل ما يلزم لسهرتهما مع أصحابهم. احتفلوا الجميع على طريقتهم المجنونة في الغناء واللعب وغيرها دون تقيد ، وفعلوا كل أجواء الفرح بتلك الليلة. لكن فجأة وضع تيم يده بيد آدم، وقد تغيرت ملامحه وبان غير طبيعي. سأله آدم بقلق: ما بك يا تيم؟ رد بقلق: ابق معي يا صديقي، وهو يقبض على يد صديقه بتمسك، . شعور كان يتمكن منه ولا يدري لماذا!! رد عليه: أنت أخي ورفيقي، أكملنا معاً وسنبقى يا صاحبي... غير آدم الموضوع، فقال وهو يضع يده على كتف تيم وقال: أحضرت لك أمي هدية على نجاحك، أرأيت؟ أعتقد أنها تحبك أكثر مني. رد وهو مبتسم: خالتي زهرة أطيب قلب رأيته في حياتي. أكملا سهرتهما مع أصدقائهما، وبعدها رجع كلٌ إلى منزله.
ناما ليلتهما وهما يخططان لأحلامهما، وفي اليوم التالي جاء تيم الى منزل آدم كالمعتاد ليذهبا كما يفعلان كل يوم. دق الباب، فنادت زهرة: من في الباب؟ رد تيم: أنا يا خالتي. ابتسمت زهرة وقالت: أهلاً يا بني، ها قد جاءك آدم، انتظر قليلاً لأجلب لك هديتك. ضحك آدم وقال لتيم وهو ينظر إلى خطوات والدته زهرة: ألم أقل لك إنها تحبك أكثر مني؟ ضربه ممازحاً على كتفه وهو يقول: تهتم بي لأنني رفيقك وتعلم بك كم تحبني. أتت زهرة بالهدية، وسألت تيم عن والدته: كيف حالها يا بني؟ مضت منذ زمنٍ لم أراها، أريد أن أزورها لأبارك لها تخرجك. إحمر وجه تيم خجلاً منها،وقال نتشرف بزيارتكِ ياخالتي وكان آدم يراقبه وهو يبتسم من خجله، لأنه يعرف مدى خجله من والدته. بعدها خرجا يمشون في الطريق.. لاقيا امرأة تمشي في الشارع بمفردها... مرت بجانبهما وقالت بعد أن سلمت عليهما: ردّا السلام عليها، ثم قالت: هل منكما من يعرف منزل الجدة فاطمة؟ رد آدم: تقصدين الجدة فاطمة التي تعالج المرضى بالأعشاب؟ قالت الفتاة: نعم هي... رد آدم: نعم أعرف منزلها.. من أنتِ؟ قالت: أنا حفيدتها، هل يمكنك أن توصلني إليها... تكلم تيم: حسناً يا آدم، أنا ذاهب إلى المنزل، أراك لاحقاً. هز آدم رأسه وأشار بيده لتيم وداعاً... أخذ الفتاة وقال لها: الطريق طويل بعض الشيء. قالت الفتاة: لا بأس، كانت تمشي بعيدة عنه بمسافة، وكانت فتاة محتشمة.. تعثرت بحجرٍ وهي تمشي فسقطت منها حقيبتها .. ابتسم آدم وإنثنى على الأرض، وأخذ الحقيبة وأعطاها للفتاة. عندما أخذتها نظر إليها دون قصد، فوقعت عيناه بعينيها الزرقاوتين اللتان تلمعان كالنجوم في السماء، وتأمل ملامح وجهها المستدير كالقمر (عميقةُ تلك النظرات، جرحت بحدتها قلبه دون دماء) ولكن سرعان ما أنزل عينيه، أما هي أيضاً أعجبت بشخصيته وشكله الجذاب، فقد كان آدم طويل القامة، رشيق، ذا عينين عسليتين وابتسامة جميلة وشعر أسود كثيف...... شعرت بالخجل وقالت: هيا لنكمل طريقنا، فجدتي تنتظرني. رد عليها: حسناً، سنصل، لم يتبقَ شيء. سكتت الفتاة ولم ترفع رأسها مجدداً. تمنى آدم لو يعرف عنها أكثر، لكنه اكتفى وقرر أن يسأل الجدة فاطمة عنها بعد ذلك. كان يظن أنه فضول، ولكن.... يتبع بارت 2
********
السلام عليكم
أطل عليكم اليوم بروايتي الأولى
بقلم سومري

أتمنى لكم قراءة ممتعة وأن تروق لحضراتكم 🌷🍃